ابن الزيات

302

التشوف إلى رجال التصوف

العباد . فأنت الآن كثمرة أخذت في اللقاح وأرى خيلا وأخبية كمثل ما كان إبراهيم بن أدهم في زمانه . وأنا مطرق . ثم قال لي : لك من العمر ثلاثون سنة . وكذلك كان . ثم قال لي : أراك زهدت في النساء وحب الدنانير . فقلت له : أرجو ذلك من اللّه تعالى . ثم قال لي : أراك حببت إليك السياحة وزيارة الصالحين ؛ فأزل عنك هذه الثياب وانظر في جلابية واخرج فارّا بنفسك في طلب الصالحين ؛ وأنت عند دخولك مدينة فاس ودخول المسجد الذي تأوى إليه ، يفتح لك في تليس ، فاصنع منه جلابية واخرج إلى السياحة ولكن بت الليلة عندي وأقم أياما ، فإن التائب حبيب إلى اللّه وما أقام قط عندي أحد غيرك . ثم أتاني بجوز في قشره وقال لي : هذا الجوز كنت غرسته بأزكان . فأقمت عنده نحو خمسة أيام . فرجعت إلى فاس . فدخلت المسجد الذي آوى إليه . وحدثت بعض الإخوان بما شاهدته من أبى عبد اللّه الأزكانى . فدخل علىّ أبو عبد اللّه بن بيضاء إمام الجامع بتليس مطرق بطرق حمر ودفعه لي فصنعت منه جلابية وتجردت من أثوابي وخرجت إلى زرهون ، ثم إلى الهبط لزيارة الصالحين . فأقمت في ذلك أربعة أشهر فلقيت أبا عبد اللّه بمغيلة وقد وصلها لزيارة بعض إخوانه من زرهون ، وكان ذلك في يوم جمعة . فصلينا الجمعة وخرج من القرية والناس على بعد منه ؛ فلم يقرب منه إلا أنا وخادمه . فجاءته عجوز ، فسلمت عليه ، فصوب فيها النظر وصعد وقال لها : ما هذا الشئ المعلق في عنقك ؟ ثم قال : هلا أديت حق اللّه الواحب عليك ؟ فإذا بها قد نذرت نذرا لم توف به . ثم جاءه رجل ، فسلم عليه ، فقال له : أرى سيلا قد حملكم ، ما هذا الذي بينكم ؟ فقال له الرجل : بيني وبين إخوتي مخاصمة كثيرة . فقال له : لا تفعلوا وارجعوا إلى الحق . فجاءنا رجل حاج . فحملنا إلى داره وأتانا بقصعة كبيرة فيها ثريدة اللبن . فنظر في القصعة ساعة وتوقف عن أن يضع يده فيها . ثم قال : سموا اللّه وكلوا . فأكلنا . فلما فرغنا من الأكل قال لصاحب الطعام : يا حاج لأي شئ صنع طعامك من لا يصلى ؟ فقال له : صنعته زوجتي وزوجة أخي وهما لا تصليان . فلما خرجنا من عنده قلت له : يا سيدي رأيتك توقفت ساعة حين قدم لنا الطعام . فقال لي لما هممت بالأكل حجبت